ابن قاسم الحسيني العاملي ( العيناثي )

6

المواعظ العددية أحاديث وحكم ومواعظ تبدأ بالآحاد وتنتهي بالإثنى عشر

تأسفت على تضييع بعض الأوقات بما عدا هذا الفن من كتب الآداب كمقامات الحريري وسائر النشورات لكون ألفاظها متكفة الأسجاع ، بحيث تنفر عنها الطباع وتمجها الأسماع ، وتكسب نفس المرتاض بها رذيلة الكذب ، وتوجب للناظر فيها محبة اللّهو واللعب ، وتصده عن اكتساب الاخلاق المحمودة ، وتلفت وجهه عن سمت القبلة المقصودة ، ولعمري الهزل وإن كان فيه دواء لكلال الطبع وضيق الزرع ولكن الذي يتولّد من كزازة النفس وثق الروح أرجح عند اللّه وأقرب إلى الطهارة وأدخل في باب الورع ، إذ قل من ألف مواطن العبث وألفاظ الخبث إلّا استمالة الهوى ولصقت به العزة وخيف عليه الهلاك . وأما ألفاظ هذه الرسالة فإنها مورد عين صافية أمن كدرها ، وعذب ورودها وصدورها ، فهي عين الحكمة من أوتيها فقد أوتي خيرا كثيرا عَيْناً يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَها تَفْجِيراً « 1 » . ولعمري إن القلم قد طول حتى أنسانا بالآخر الأول ، فحق له ما هو فيه من نحول الجسم ، وسواء الوسم ، وبري النفس وقطع الرأ ، وشق البطن وتبييت السجن ، وتسويد الوجه المنير والغمس في بئر القير ، والسعي منكوسا ما زال من يكتبه عن الغلط محروسا . لقد كتبت من الحديث أيقنه ، ومن كل وعظ أحسنه ، ومن كل شيء أزينه ، والنصايح المستحسنة فازرت محاسنها بالدرر ، واصان عدها القدر ، سارت مسير الشمس والقمر ، ولعمري إنها جاءت كما يرتضيها الأدواء وإن كان يتسخطها من في قلبه داء ، وما أبري نفسي مع ذلك عن النقص والتقصير ، وكيف أدعي غير هذا ووطني العجز ومأواي الذل وصفتي النقصان ، هكذا الجابل ، وعليه أخبرني المجبر ، وإنما أنسب إلى الكمال ظلما وكواو عمرو وليس مني ، وأنسب إلى النقص لأنه صادر عني ، فإضافة الكمال إليّ استعارية ، وإضافتي إلى النقص حقيقية ، وهكذا معيّري والشامت والضاحك بي من خطأي ، إلّا من عصمه اللّه فأيده ورحمه فسدده ، فكن أيدك اللّه شاكرا لصواب ما يمر بك من هذا التأليف المستطاب ، عاذرا في خطأ ، ما يلوح لك في كل باب ، واعمل بحكم الحرية وقضية الإنسانية في نشر جميل أنت أولى بنشره وستر قبيح أنت أحرى بستره ، أسأل اللّه أن يمهل في الأجل ، ويوق لإتمامه في عجل ، وأن يحفظ أقدامنا عن الخطأ والخطل ، ويعصم أفهامنا عن الزيغ والزلل ، إنه أكرم مسؤول وأعظم مأمول .

--> ( 1 ) - الانسان : 6 .